تسجيل جديد

قصة إليك أشتاق

قصة إليك أشتاق الحب في قريتي يعتبر عيب وصل حد الحرمة ، نطق كلمة الحب بين أفراد العائلة الواحدة شيء نادر الحدوث، يكتفي البعض بالتعبير عن حبه ببعض

قصص و روايات>قصة إليك أشتاق
أم طارق 06:56 PM 06-01-2016
قصة , إليك , أشتاق

قصة إليك أشتاق

قصة إليك أشتاق


الحب في قريتي يعتبر عيب وصل حد الحرمة ، نطق كلمة الحب بين أفراد العائلة الواحدة شيء نادر الحدوث، يكتفي البعض بالتعبير عن حبه ببعض الإشارات و الأعمال ، تجده في فنجان قهوة صباحية يشربه زوجين في الصباح الباكر قبل ذهاب رب الأسرة إلى العمل ، أو على يد امرأة أخذت تغسل ثياب أفراد عائلتها في جو بارد ، كذلك تجده في حفنة تراب في يد فلاح يستنشق عطر أرضه .
لم ألمس يوماً في قريتنا حباً صريحاً كافتخار أب بابنته لأبوته لها ،ولم أر قط شاب يولي شقيقته الإهتمام - مجرد الإهتمام بالفتاة سيشعرها بالحب- ربما لأن كلمة حب ارتبطت بأذهانهم بشيء آخر من المخجل ذكره ( الشهوة) الحب موجود في كل مكان ويحمل أسمى المعاني ولكل شخص طريقته في تفسير معنى الحب .
أما الحب بين الجنسين وإن حدث فهو في ستر حتى يجتمع الحبيبين تحت سقف واحد بعد إعلانهما زوجين وإما يموت ويندثر دون أن يعبر المحب عنه .
لم أكن أعلم أن في يوم من الأيام سأخوض تجربة الحب مع الجنس الآخر، بالنسبة لي الحب وهم وخيال كخدعة بصرية يستخدمها الشباب لإطاحة الفتيات في شباكهم .
عرفت الحب بصورته الأسمى والأجمل هنا في هذا البيت ، من خلال جدرانه التي حفظت همسات وضحكات أُم لم يسمح لي القدر بالتعرف عليها ، بيت سكنه حب أبي لأمي ،أحبني واهتم بي ورعاني ليعوضني عن حب وحنان أمي التي فارقتنا ،فأنا الذكرى التي تركتها له تكبر مع الأيام ،علمني وساعدني حتى وصلت لعنفوان شبابي ،اليوم أرد له الجميل فمنذ أربع سنوات وهو يرقد في فراشه بعد أن أصيب بشلل عطل أعضاءه هو الآن يسمعني ويتواصل معي بواسطة جفنيه .
ليس من الصعب أن أكون ابنة بارة تحب والدها لأنه علمني المعنى الحقيقي لكلمة حب ، لم يخطر ببالي يوما من الأيام بأن اهتم وأفكر برجل غيره في حياتي لأنني لم أعرف سواه يتصف بأخلاق الرجولة حتى رأيتك ، الحب معك مرحلة تأتي بعد النظرة والإعجاب والتفاهم وهذا ما يدوم ومن الصعب نسيانه ، فحبي لك مرتبط بمواقف وأحداث صعب نسيانها .....
الحب لمكان معين له ذكريات عزيزة ككرمة السيد نبيل هكذا عرف هذا المكان طوال سنين ، أذكر جيداً حين التقيتك أول مرة في طريقي إلى البيت بعد عمل يوم شاق في الكرمة ،طويل القامة عيناك العسليتان ووجهك المرهق وقميصك الملطخ بالدم حيث كُنتَ فاراً من مجموعة رجال مصاباً في كتفك إثر عيار ناري ، صُدفة ، لم تكن بالحسبان شعرت بالخوف حين رأيت أولئك الرجال بأجسادهم الضخمة ويكسو وجوههم الشعر وكيف لي أن أبعدهم وحدي ؟ قررت خداعهم وطلبت منك خلع حذائك وقد خلعته وأنت تمازحني رغم إصابتك : ليس مقاسك عدا عن الرائحة .
لم أعتد التحدث للغرباء لذلك لم ألق بالاً لكلماتك أخذت الحذاء وابتعدت عن المكان ، لا أريد أن يعتدي هؤلاء الرجال على الكرمة ،انطلقت نحو بركة ماء تفصل بين قريتنا والطريق العام ، تركت أثر حذائك ينتهي هناك ليظن الرجال أنك قطعت البركة وهربت ، صدقوا ما رويته لهم حين وجدوا الأثر طرياً ، شعرت بالفضول حينها وسألتهم عن سبب وجودهم في المكان ، أجاب أحدهم وقد غطى شاربه الكثيف شفتيه :نلاحق لصاً .
كان صوته أبشع من وجهه أخذت أتساءل أنت لص ؟!! لم أصدقه ... بدا لي من هيأتهم أنهم هم اللصوص وأنت مطارد لا أعرف سبب هروبك .
أسعفتك في تلك الليلة وكنت نصف غائب عن الوعي ، مشاعري كانت مزيج من الخوف والحياء ، أول مرة أتواجد مع شخص غريب في مكان وحدنا ،تركتك لتنام بين صناديق كبيرة في بيت المؤن ؛حتى لا يراك أحد . خشيت على نفسي أم عليك في ذاك الوقت لم تكن الإجابة محددة.
في الصباح الباكر أحضرت إليك وجبة الفطور كي تتمكن من المغادرة ،وجدتك مستيقظا تحاول النهوض ، لم أشأ أن تخرج أو تتحرك دون علمي فأمرتك بالبقاء مكانك فنظرتَ إلي باستياء وتكلمت عيناك ، نظرة تتمرد فيها على سلطتي للمكان ، لم أعر نظراتك أي اهتمام وضعت الطعام أمامك قائلة : تناول طعامك ثم غادر المكان .
أنت بدوت متفاجأ ، أنا لا أعرفك وساعدتك والآن أريد منك المغادرة قبل أن يراك أحد ، لست وحدي أعمل في الكرمة ، الخالة مريم مربيتي امرأة في الستين من عمرها ، ترك الزمن أثره في تجاعيد وجهها ويديها وحكمة مخزّنة من تجارب مرت بها ، وحفيدها رضوان فتى نحيل مجعد الشعر لوحت الشمس بشرته ،قوي وجاهل نوعاً ما في فن التعامل مع الآخرين ، عيناه الغاضبتين تحدق بكل من يحاول الإقتراب من محيط بيتنا أو الكرمة حتى يختفي عن الأنظار .
أردت منك أن تغادر لأن صديقتي العزيزة جهاد ستأتي لزيارتي مع ابنها الصغير ، انشغل تفكيري بكل من حولي إلا أنت ،كنتُ أبعدك عني ولم أعلم أنك مصيري المحتوم ونجاتي من وحدتي .
وصلت صديقتي جهاد ،جميلة معتدلة القامة مرفوعة الرأس واثقة كما عهدتها وابنها الصغير حسان ،زيارتها تطول أحياناً ليومين أو ثلاثة ، لم أُرزق بنعمة الأشقاء فكانت هبة السماء لي ، أخت أنسجم معها وإن كانت من أم وأب لا صلة لي بهما ،تقاسمنا حلو الحياة ومُرّها كانت متكأي كلما ألقى بي القدر نحو الأرض كريشة تتطاير مع هبات الهواء، استقبلتها بحرارة ، حاولت إخفاء شعوري بالقلق والتخفيف من مفعول التخاطر الذي بيننا ، أمضينا وقتاً مسلياً معاً ولكن لم أنس وجودك أبقيت عيني مصوبة نحو النافذة المطلة على بيت المؤن انتظر خروجك ليس من المكان فقط بل من حياتي ، قبل الغروب تزينت السماء بلونها الأحمر ، جلست وجهاد في الشرفة المطلة على الكرمة لشرب كوب من الشاي ، هذا المكان تحدثنا فيه عادة عن أمور تخصنا إلا أن الحديث أخذ مجرى آخر بعد زواجها ، أظن أن القلق كان يدور حولها وهي تحاول إخفاؤه ،يا ترى هل تلاحظ قلقي أيضاً ؟ بادرت بالسؤال : ماذا فعلت بالنسبة لموضوع سكرتيرة زوجك ؟
وضعت فنجانها على الطاولة ووقفت تتأمل الكرمة قائلة : تم طردها وطلبت منه تعيين شاب بدلاً من الفتيات .
ابتسمت قائلة :جيد تمكنت من المحافظة على زواجك أنت إمرأة قوية .أجابتني بعد أن زمت شفتيها : لن أتنازل عن عائلتي أبداً وسأظل قوية أدفع عن عائلتي من يحاول التخريب .
جهاد اسم على مسمى ،كنت أتعجب كونه اسم لفتاة ولكن مع الأيام اكتشفت أن هذا الإسم يناسبها أكثر من أي اسم آخر ، صاحت قائلة : حسان يركض نحو بيت المؤن... حساااااان.
تسمرت في مكاني للحظة وأخذت ضربات قلبي تتسارع ، يا إلهي ! ما هذه الورطة ؟ نظرت جهاد إليّ وكأنها صفعتني لتوقظني من ذهولي قائلة : صفاء ،ما بك ؟أجبتها مبتعدة حتى لا تشعر بهالة القلق التي كانت تلفني : سأذهب لأحضر حسان ...
لا أذكر كيف قادتني قدماي نحو ذاك المكان ، أذكر فقط حين رأيت حسان يقف أمامك وقد بلل ثيابه من الخوف ، قميصك الملطخ بالدم وشعرك الأشعث أخافه ، حسناً انفضح الأمر فلا بد من سين وجيم لمعرفة سبب خوف حسان ، أي ورطة هذه وكيف أفسر الأمر لرضوان والخالة مريم دون أن يسقط على رأسي وابل من الأسئلة والكلمات التي تستنكر ما فعلته، نظرتُ إليك بازدراء وصرخت في وجهك : ألم آمرك بالرحيل ، ماذا تنتظر ؟
عيناك ... لن أنسى نظرتك وأنت تقترب مني قائلاً : انتظرت لأشكرك ، أعتذر عما سببته للطفل من ذعر . في تلك اللحظة ابتلعت لساني ولم أرد ، أدبك بالكلام أثر في نفسي ،قمت فقط بضم حسان إلى صدري وخرجت أنت واختفيت مع الظلال .
كانت سهرة طويلة بين مواعظ الخالة مريم عن الأدب وشرف البنت وسمعتها وبين تجهم وتهكم رضوان الفتى النحيل ، ظلت جهاد صامته تحضن ابنها الصغير وتقبل رأسه ، أظنها رأتك ، يا ترى كانت تفكر بابنها أم بك أم أنني شغلت تفكيرها ؟ لم أفهم نظراتها ، هل انقطع التخاطر الذي بيننا في تلك اللحظة ؟ انتهيت من الجلسة الإلزامية التي اضطررت لها ، صعدت إلى الطابق العلوي اعتدت أن أصعد لغرفة أبي أجلس معه وأحدثه عن اهتمامي بالكرمة وما يحصل معي من أمور مختلفة خلال النهار، في تلك الليلة لم أجرؤ أن أنظر في عينيه وكأني ارتكبت ذنباً ،فهمت لأول مرة قلق كثير من فتيات القرية من العادات والتقاليد ، استمع عادةً لشكواهن من الآباء المسيطرين على زمام الأمور أو أشقاء يتدخلون في حياتهن ، حياتي مختلفة أنا الإبنة الوحيدة لرجل رحلت زوجته باكراً ، لم يرتبط بغيرها أراد الإعتناء بذكراها ورعايتها ، اعتنى بي كما اعتنى بأشجار الكرمة ، بذل جهداً في تعليمي وتثقيفي وأكد لي على ضرورة التعلم للفتاة وأنه سلاحها في مختلف ميادين الحياة ، نشأت أمامه وبين يديه ، كيف لي أن أخون ثقته؟ لا لن أفعل ذلك ، أعرف الخطأ والصواب . آسفة خالة مريم، آسفة رضوان ولكنني لن أستمع لتلك الكلمات التي تطلقانها كالرصاص في وجهي فأنا أعرف حدودي ، بالرغم من ذلك لم أصعد لغرفته ولم تلتقي عيوننا ربما تسممت بشيء من العار .

حاولت النوم في تلك الليلة لكن وجه حسان الخائف لم يغب عن ذهني في تلك الأثناء سمعت طرقا ً خفيفاً على باب غرفتي ، نهضت وفتحت الباب فإذا بها جهاد ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها ،دخلت الغرفة واغلقت الباب خلفها ،ثم أمسكت يدي وقادتني أمام السرير وضمتني بقوة قائلة : آسفة لما سببناه لك سنغادر في الصباح ، حسان خائف جدا ً نام بصعوبة .
جلستْ على طرف السرير وجلستُ بجوارها محاولة تغيير رأيها : أرجوك لا ترحلي حتى لا تظل رهبة المكان والحادثة عالقة في رأسه ، انتظري حتى الغد سآخذه معي ليطمئن قلبه ، أخبرتكم الرجل كان عابر سبيل ولن يعود – ربما كنت متأكدة حينها من عدم عودتك إلا أنك أثبت لي كم كنت مخطأة – وافقت جهاد على الإنتظار بعد الغداء وغادرت الغرفة ، ارتحت قليلاً وخلدت للنوم من شدة التعب الذي لازمني طوال اليوم .
في الصباح لم أرغب بتناول طعام الإفطار مازالت بعض السموم مختلطة في مشاعري مسببة لي الحزن ، توجهت مباشرة نحو بيت المؤن أجمع الصناديق وأرتبها ليبدو المكان أكثر أمان من أجل حسان الذي حضر برفقة والدته لكنه وجد صعوبة بالدخول ، ملامح وجهه أكدت لي أن الخوف لم يغادره بعد ، فكرت بلفت انتباهه لشيء جديد لم يعرفه من قبل ، فأخذت أضغط على آلة ثقب الورق لتصدر صوتاً يجذبه وأقول له :هيا لنبدأ العمل. مددت يدي له وخطا بقدمه الصغيره للداخل وجلست أمامه لأعلمه كيف يستخدم الآله وتحدثنا قليلا ، رأيت بريق سعادة في عينيه أفتقده كثيراً كان يلمع في عيني كلما علمني والدي شيئا جديداً ، انسحبت جهاد متجه نحو البيت وبقيت مع حسان ، هذا الطفل في سن الثالثة ، اهتمامي به تعبير عن حبي له أضمه وأقبل خده الوردي أظنه نسي خوفه ورتب في ذاكرته أمر أحبّه وأشعره بالسعادة ، أمسك المثقاب وعمل بعض الثقوب في الكيس الورقي فنظر إليّ مبتسماً : سأخبر أمي .غادر المكان وهو يصيح بأعلى صوته : أمي ، أمي ساعدت صفاء في العمل . بعض الثقوب جعلته يشعر بالفخر لأنه أنجزها بنفسه . تأكدت حينها أنه نسي شبحك.
انتهيت من ثقب الأكياس الورقية وأخذتها لتغليف العناقيد الخضراء ، وقفت مع رضوان في الكرمة ومازال العبوس في وجهه، لم أكلمه ولم ينظر إليّ بقينا في صمت حتى ظهرتَ فجأة من خلف الشجرة ، كدت أسقط حينها ولكنك أمسكت يدي ، فاقترب رضوان مقطباً جبينه يحمل فأساً والشرر يتطاير من عينيه بصوته الجهور قال: ماذا تريد ؟
تركتَ يدي بعد أن اعتدلتُ في وقوفي وأجبته بصوت واثق:آسف لم أقصد إخافتها، جئت أعتذر ... صدقني لا أريد أن أؤذي أحد .مازال رضوان ينظر إليك بغضب ، انساب إلى قلبي صوتك بما يحمله من اعتذار فأحسست بصدقك، وأردت أن يهدأ رضوان لذا التفت إليه وأخبرته أن يخفض الفأس الذي كان يحمله لكنك اختفيت، صرخ رضوان في وجهي : أرأيت كيف يستغل الشباب الفتيات الطيبات ؟ أجبته وقد أغضبتني كلماته : إلزم حدودك وكلمني بأدب.
نشأ رضوان يتيماً ومعاملتي له لم تختلف عن معاملة الأخت الكبيرة لأخيها الأصغر ، ولكنه استفزني حينها ، هل يريد أن يفرض قوته في السيطرة عليّ؟ لن أسمح بهذا، في نفس الوقت لم أرغب بأن أقطع كلامي معه في لحظة غضب ، طلبت منه زجاجة الماء لأشرب ، ناولني الزجاجة دون أن ينظر في عيني، لقد أحزنته أكثر مما أغضبته ، ها أنا أرتكب الأخطاء وتختلط علي الأمور وأعيش لحظة من التيه،رفعت فوهة الزجاجة وقربتها لشفتي لكن نظري وقع على بوابة المنزل حين سمعت هدير محرك سيارة يقترب ، ارتعشت يدي وانسكب الماء مني حتى شعرت به على صدري ، ولكن هول وصول المختار وابنه لمنزلنا كان صدمة غير متوقعة على الإطلاق ، وضعت الزجاجة بين راحتي رضوان وطلبت منه البقاء في الكرمة، أعرف مسبقاً بالصوت الهادر الذي قد يصدر عنه ،ولا أريد لوالدي أن يسمع شيئا مما قد يحدث ،أخذت أركض بأقصى سرعة محاولة اختصار المسافة الفاصلة بيني وبين البوابة ، أراهما يدخلان للمنزل لا وقت للتعثر فهما كالظلال السوداء أينما حلو تركوا البؤس خلفهم، سر كبير يخفيه المختار ، لا أعرفه فهو يشتري الكرمة تلو الأخرى ... لماذا عاد الآن؟ رفض والدي طلبه من قبل وأنا ابنة أبي ولن يتغير رأيي أبداً ، وصلت أخيراً لباب البيت فتحته على مصراعيه غاضبة - فكرة رؤيته تثير غضبي فكيف الموضوع الذي جاء من أجله- رأيت جهاد أولاً وسألتها : لم سمحت لهم بالدخول ؟وقفت مصدومة من ردة فعلي دون إجابة ، وقف المختار منتصب القامة وشارباه المفتولين يعتليان شفتيه : ألن ترحبي بنا؟ نظرت لعصاه ذات الرأس الكروي الأملس وهو يتحسسها ، لا أنكر دبت قشعريرة في جسدي فجأة ،تابع كلامه : يبدو أننا لسنا موضع ترحيب ،لقد جئت لأخبرك ، لاتتعبي نفسك هذه السنة أيضاً، يكفي ما تكبدته من خسائر في السنوات الثلاثة الأخيرة ،سأشتري المحصول منك كماهو وسأزيد لك في السعر.
أجبته بصوتي الحاد : كم مرة أخبرتك ، لن أبيع الكرمة ، أبداً .
تقدم ابنه بثيابه الثمينة وشكله الأنيق وقد حرك يده بشكل مائل قائلا: يالك من عنيدة أنت تهوين إلى اللا شيء . لم تعجبني كلماته ووجهه المتعجرف صحت به: اخرجا من هنا ولا تعودا .جلس المختار قائلاً: لن يسمح لك الشيوخ بدخول السوق ، ما فائدة تعبك ؟ ... أنصحك بالعمل في مجال الخياطة .أردف ابنه قائلاً: أو اعدلي عن رأيك وتزوجيني.
دخل رضوان وقال بصوت قلق : صفاء هل أنت بخير ؟
ما من كلمات تفسد عمراً قضيناه معاً بحلوه ومره ، هو ملاكي الحارس عاد ليدافع عني ،أجبته وأنا أغادر الغرفة : أخرجهما من هنا .صعدت نحو غرفة أبي لا بد أن شيئاً من الصراخ وصل سمعه الحاسة الثانية المتبقة بعد بصره ،حاستان فقط تعملان بعد اصابته بالحادث ،كان في طريقه للمدينة لبيع المحصول حين انحرفت الشاحنة عن الطريق ووقعت في أحد الأودية ، وبسبب انثناء في هيكل الشاحنة أعاق والدي عن الحركة وتسبب في تلف في النخاع الشوكي ، ها أنا أقف أمام غرفته المغلقة عليه ، كيف سأواجهه بعد تغيبي عنه أمس ولم أمر به صباحاً لإلقاء التحية، فتحت الباب بهدوء ودخلت وأنا أنظر في عينيه، وأرى فيهما انزعاجاً ، وبدأ التوتر يتدفق أريد ان أعرف سبب انزعاجه ، خرجت من صمتي بسؤال وأنا أقف أمامه :مابك؟ لم أنت منزعج ؟
وجه نظره نحو المرآة ، وكأنني لم أفهم : تريد مني أن أنظر في المرآة ؟ أغمض عينيه وكانت إشارة بالموافقة، وقفت أمامها فإذا بي شاحبة بثياب العمل المغبرة وشعري الفوضوي على كتفي أخذت أفكر ، أين صفاء الجميلة مليحة الوجه ذات الشعر الطويل الأملس ؟ لا بد أنه فكر بهذه الكلمات. ضحكت قائلة : آسفة أبي ، لقد عدت للتو من العمل وأردت رؤيتك قبل الغداء.ظهر الرضا على وجهه وشعرت بسلام تغلغل في جسدي ، قد اتصالح مع نفسي يوماً ولكن كيف وأنا أخفي عنه أن الكرمة مهما تعبت فيها فهي لم تعد تدرّ علينا المال بعد إنشاء مجلس الشيوخ الذي منع وجود أي إمرأة في السوق للبيع لأنها محض شبهه، نظرة المجتمع الغبية فهم لا يرون النساء إلا بعين احتقار أو إشتهاء ، ألقيت نظرة نحو النافذة وكان المختار قد غادر.


وقت الغداء اجتمعنا حول المائدة وقد وضعت الخالة مريم القدر أمامي قائلة :سأسكب لك كمية مضاعفة ، وجهك شاحب. رفعت طبقي قائلة: نعم من فضلك . سعيدة بوجود أشخاص أحبهم من حولي ،أشكر الله على هذه النعمة. دار بيننا حديث متذبذب بين الحزن والمرح استهل رضوان الحديث قائلا: سأكمل ما تبقى وحدي ، لا داع لتتعبي نفسك .أجبته : لا أستطيع ، إن لم أعمل أشعر بشيء ما ينقصني .تدخلت جهاد محاولة تغيير رأيي: أنت غريبة ، الفتاة في سنك تهتم بنفسها وتفكر بالزواج وإنجاب الأطفال ، أما أنت لا تفكرين إلا بهذه الأرض.
أرادت الخالة مريم قطع الحديث تماماً : هيا لنبدأ تناول الطعام . كل منا أسقط نظره في طبقه ، لا يسمع سوى صوت الملاعق تضرب قعر الأطباق ،هدوء ممل لا يتيح مساحة للراحة أو التفكير ، لم يدم طويلاً،كانت جهاد تسعى جاهدة كي تحمل معي بعض العبء الذي خلّفه المختار بزيارته : منذ متى وأنت تعانين من مضايقات المختار ؟ ذهب نظري إلى الخالة مريم التي رأت عتاباً يقصدها ، من غيرها أخبر جهاد ؟ إجابتي كانت مختصرة جداً :منذ أربع سنوات .
رافق الذهول سؤالها الثاني : لم لم تخبريني من قبل ؟ جوابي لها كان عفوياً وصادقاً:كنا مشغولتين بمشاكلك الزوجية. سرت في بدنها رعشة نظرتْ في طبقها وساد صمت قصير ، أظنها تذكرت شيء جاءت لتنساه هنا ، قالت : سأغادر بعد ساعة من الآن . لم أقصد أذية مشاعرها أردت تلطيف الأجواء : سيوصلك رضوان للمدينة.
قالت : دعك من هذا ، شاحنتك معطلة.
إنها فرصتنا لنعود بالعمر للوراء نلقي كلمات استفزازية اعتدنا أن نمازح بعضنا بها : سأصلحها بعد الغداء .
_لا تتعبي نفسك سيمر زوجي لإصطحابي .
_ ستخسرين التوصيلة بالشاحنة .
_سمعت هذا الكلام كثيراً .
بعد ساعة وقفت مع رضوان عند بوابة المنزل لوداع جهاد قالت وهي تعبر البوابة : سأدبر لك موعداً لعلي أجد لك زوجاً يخرجك من همومك. أجبتها بصوت مسموع : ألا تلاحظين بأنك مزعجة ؟ أجابتني وهي تصعد السيارة : أتعمد ذلك .
غادرت جهاد وابتسامة تعلو وجهها - هذا ما يهمني- قمنا بإغلاق البوابة معلنين عن عدم رغبتنا باستقبال أحد رضوان يوافقني الرأي فقد أُجهد تفكيرنا ليومين متتاليين ، وصلنا إلى المرآب حيث الشاحنة القديمة تنتظر إزاحة الستار عنها ، وضعت يدي على كتف رضوان وسألته : ما رأيك بإصلاحها؟ كان جوابه مخيباً : لم تعمل منذ سنوات إنها خردة .
_ أرجوك كن متفائلاً.
ابتسم وكأنه استلم زمام الأمور : سأحاول ، هيا نرى ما هي الأعطال ونشتري قطع غيار من السوق . صعدتُ للشاحنة فقد علمني والدي بعض الأمور عنها ، رفع رضوان الغطاء الأمامي ثم سمعت تنهيدته وهو يقول : يا إلهي . دبّ الذعر بداخلي : ما الأمر ؟ ! أجابني بعفوية: لا أعرف شيئاً عن المحركات .وقفت بجانبه ننظر إلى المحرك الصامت وقد أصابتنا عدواه ، لكن التفكير هو عجلة لا تكف عن الدوران وقد أحببت دورانه هذه المرة أردت الخروج من دائرة التأجيل وانتظار الفرص الأنسب : لا بد من وجود كتيب أو أوراق سجّل فيها والدي بعض المعلومات . مضى الوقت ونحن نبحث نعمل بلا توقف ، قمنا بتسجيل ما نحتاج إليه من قطع ، أردنا أن ننجز الأمر اليوم ولكن علينا الإسراع قبل أن يغلق السوق أبوابه.شاء القدر أن ينشغل رضوان مع الخالة مريم في شؤون البيت ، وكادت فكرة الذهاب إلى السوق تلغى إلا أن شيئاً ما حثني للذهاب ، مضيت في طريقي تقودني قدماي على الدرب ، انشغل عقلي بأمور أكثر أهمية ، هذه الأدوات حمل زائد ولم أخطط له جيداً ، ولم أقطف العناقيد بعد إنها مجازفة ، وصلت إلى وجهتي ، أخذت أنقل نظري إلى واجهات المحلات ، أدهشني وجودك في تلك اللحظة ، تقف بقامتك الطويلة ومنكبيك العريضين مرتدياً قميصاً جديداً وشعرك المرتب كنت وسيماً ، لم يسبق أن لفت انتباهي رجل من قبل لأنني لم أهتم أو لأنني أردت رجلاً يشبه والدي الذي اعتلى عرش الرجولة بصفاته وأخلاقه وكل من هم دونه ليسوا رجالاً بل أجساد رتيبه بلا أخلاق ... ما الذي أفكر به ؟ وجودك محض صدفة لأنك مسافر ، لماذا اشغل تفكيري بك ؟ أنت غريب عن المكان ولن أكلمك. هل كنت متأكدة من قراري الذي تراجعت عنه حين سمعت صوتك بقربي : يا آنسة ... مرحباً ، اسمي أمين .أجبتك بشيء من التوتر : نعم سيد أمين ؟ صوتك الدافيء انقض على بقية حواسي وأصابها بشلل مؤقت : آسف حقاً، نظرات ذاك الشاب أبعدتني بسرعة ، لحسن حظك لديك أخ قوي يحميك. ابتسمت لأن نظرات رضوان أتت مفعولها معك ، سألتك ولم أخش الحديث معك : أليس من الخطر وجودك في مكان عام وأنت فارّ ؟ نظراتك الوادعة وأنت تقول : لا تقلقي أنا بخير في قريتكم .
اعتراني شعور غريب بالسعادة في تلك اللحظة ، وجودك قربي أشعرني بالأمان، أمر لم أعتد عليه فأنا لا أثق بالجنس الآخر ، لأن الرجال برؤيتهم الخاصة المرأة متاع ليس إلا، إمتلاكها لتزيين حياتهم وربما وجود فتاة في حياتهم فكرة عبثية عابرة ، إلا أنت أراك مختلفاً، مضيت معي نحو محل قطع السيارات وقد لاحظت ابتسامة غريبة على وجهك مما استفزني لسؤالك: لماذا تبتسم؟ أجبتني بوضوح : أنت فتاة تسيرين نحو محل قطع السيارات أظنه أمراً غريباً ، ألا تودين الذهاب للناحية الأخرى؟ أعلم أن محال كثيرة في الجانب الآخر وأعرف تماماً ما نوع البضاعة فيها ولكن لمَ نظرت إلى ذاك الإتجاه في تلك اللحظة؟ إنه أنت ... سحرك يتسلل إليّ ويتحكم بي. وصلت للمحل المطلوب وأخرجت الورقة التي سجلت عليها ما أحتاجه وأعطيتها لصاحب المحل، نظر فيها برهة بوجه قاسي السمات ثم ألقى نظرة عابسة علينا وقال بصوت يشبه صوت آلة قديمة تحتاج عناية فائقة : لماذا لم تطلبي مني الحضور إلى بيتكم لإصلاح الشاحنة ؟ لا أريد أن تتعبي نفسك بالقدوم إلى هنا .
وإن ذكر سبب سؤاله أنا أعرف أنه ليس مهتماً بعنائي فالرجال هنا نوعان لا ثالث لهما إما يكره وجود امرأة في السوق وإما هو إنسان وقح حتى وجودك لم يردعه عن التفكير في الأمر أم أنه ظنك...؟ تباً ، أي ورطة هذه ؟ استوقفتني الذاكرة عند قصة الفتاة التي ***ت لأن رجلاً مخبولاً رآها تقف على مقربة من شاب أمام أحد المحال، وأخذ ينشر خبر خروجها برفقة عشيق لها ، ولا ذنب لها كانت ضحية إشاعة في مكان الحق فيه أعمى. عاد صوت البائع الخشن إلى مسامعي :هذه القطع تكلفتها سبعمائة دينار ، هل تستطيعين الدفع ؟ سؤاله مخيب للآمال ، استرقت النظر نحوك، كنت َ مشغولا بالنظر إلى ماركة إحدى القطع المعروضة وقلت في نفسي : الحمد لله لم يسمعه . فإذا بك تقترب مني وتهمس : يمكنك شراء قطع مستعملة بسعر أقل وأداء أفضل –عدت بنظرك نحو العلب المعروضة- إنها بضاعة تعيسة يتم بيعها هنا ، ألا يوجد محل آخر؟ أجبتك مباشرة : نحن في قرية صغيرة وأصحاب السيارات بعدد أقل من أصابع اليد ، ما حاجتنا لكثرة المحلات ؟
أحدثك وكأني أعرفك منذ زمن غمامة كونك رجل غريب تلاشت ، خرجنا من المحل بعد أن أخذتَ الورقة من البائع وناولتني إياها قائلاً: سأدلك على محل في المدينة بضاعته مضمونه وأسعاره معقولة .
انكشف خيط من لغزك، لا يوجد من شباب القرى من يجرؤ على الحديث مع فتاة في وضح النهار، وإن كان قريبها، وأسلوبك في الحديث مختلف عنهم ، أنت ابن المدينة ... فرحتي باستنتاجي عمرها قصير فقد خبت الإبتسامة حين التقينا المختار وهو يقف أمام الناس يلقي أحد خطاباته :... وبالمحافظة على قيمنا وعاداتنا التي ورثناها عن الآباء نحافظ على سمعة قريتنا من الشبهات والتخريب لا إختلاط وهذه هي شريعتنا التي يجب علينا التمسك بها .أنهى كلماته واقترب منا بابتسامته الخبيثة: قرر مجلس الشيوخ إرسال محصولي للبيع في المدينة ، هذا قرار نهائي لامنافس لي. أجبته وقد نسيت وجودك للحظة لم أرغب أن تراني في حالة الغضب: لا منافس لك غيري بعد أن قمت بشراء كرمة أبو أمجد والسيد نائل ، لم يبق سواي عقبة في طريقك . أجابني وقد اعتلى عرش قوته : شراء الكرمتين أفضل من تركهما للموت ، سافر أبناء أبو أمجد للعمل في المدينة والسيد نائل صار مسناً وليس له ولد كوالدك تماماً.
كان حشد من الناس يراقبون بأعينهم شعرت بأني أقف عارية أمام الجميع قلت في نفسي لن أستسلم، انتهى الحوار حين استدار مبتعداً وتركني في ثورة غضب ، أما أنت كنت ثابتاً نظرت إلي وكأنك تدعوني لملجأ من هذا الموقف ،بقيت معي وسرنا في طريق العودة ودار بيننا حديث أطفأ لهيب جرحي.
_ من ذاك الرجل ؟ ... وما هو مجلس الشيوخ؟
_ إنه مختار القرية ... قرر وجود مجلس للشيوخ لسن قوانين تنظم أمور القرية ، إنهم مجموعة من كبار السن .
_ووالدك؟
_أبي ما به؟
_قال أنه مسن .
_والدي ليس مسناً بالمعنى الحرفي للكلمة ،والدي ... مصاب بشلل إثر حادث وهو يرقد في فراشه منذ ذاك الوقت، وحاول المختار شراء الأرض... لم ولن أقبل أبداً ، هذا رأي والدي أيضاً.
_كيف تعرفين رأيه ؟
_لغة العيون هكذا نتفاهم.
ارتسمت على شفتي ابتسامة حينها تذكرت والدي، وشعرت بسرور يغمر قلبي.
_أنت وحيدة والدك ! أليس صاحب الفأس شقيقك؟
_إنه حفيد الخالة مريم المربية – تبادلنا نظرات دافئة – أخبرني من أين أتيت وماذا تفعل هنا ؟ ... وسبب إصابتك ؟
_أسكن في العاصمة ،أما عملي ... كابتن طيّار.
_جميل !
_ كان حلم الطفولة وحققته.
_ولكن من العاصمة إلى هنا مع الإصابة !؟ وما علاقة عملك بأولئك الرجال؟
_ سأخبرك ...حصلت على فرصة عمل جيدة وهي نقل بضائع خارج البلاد مقابل مبلغ كبير من المال ،كان علي الحذر ... إلا أني وافقت كوني شاب في بداية حياتي أردت نقلة في عالم الثروة ، عند تحميل البضاعة ساورني الشك بشأنها ، تحليت بالجرأة وفتحت أحد الصناديق ووجدت فيه ملابس للأطفال وبادرني سؤال ، مبلغ كبير لنقل الملابس لماذا؟ فتشت أسفل الصندوق فوجدت أكياس محكمة الإغلاق وشكلها يوحي بالريبة فعرفت أنها لمواد ممنوعة ،رفضت الصفقة على الفور ولم يكن الأمر سهلاً، بما أني عرفت سرهم صار دمي مباحاً ، ولن يتركوني حتى ينالوا مني .
اعتلى وجهك حينها حزن وساد صمت قطعته بسؤال : ماذا ستفعل؟
_سأنتظر بعض الوقت ، ثم انتقل خارج البلاد هذا ما أفكر به في الوقت الحالي ولكنه ليس الحل الأمثل.
_ لِمَ لا تبلغ الشرطة؟
_ أخشى على عائلتي ... أبي وأمي وشقيقتي، الأمر ليس سهلاً.
خالجني شعور بالراحة حين ذكرت شقيقتك ، أنت تهتم لأمرها ، خيط آخر ينكشف لسر رقتك ، ما أجمل وجود شقيق للفتاة يستمع إليها وينصحها ، شعرت بلطف معاملتك لها ، وبدأت أحسدها .
كان هذا اللقاء الأول رسمياً بيننا ،إلا أن المختار أفشى خبر رؤيتك في السوق لأولئك الرجال الذين عادوا للبحث عنك في كل أرجاء القرية وكان قرارك الإبتعاد حماية لي وعائلتي ، مع مرور الأيام كان شيء ما ينمو بداخلي أحتضنه بدفء وأرعاه ، لا أتجاهله ولا أوليه جل الإهتمال فقط استمتع بوجوده ، لأنه يرسم الإبتسامة على شفتاي ، كنت أذكر حديثنا البسيط الذي أثّر بي . ولم أشبع من تلك العينين أتأملهما بشغف وأحفظ تفاصيلهما ، ارتحت لنظراتك التي كانت ملقاة نحو الأفق تارة ونحوي تارة أخرى ، ارتحت لكلامك ،أنت مختلف ، ليست الملامح الوسيمة ولا طريقة الكلام بل شيء واضح للعيان ، لا توجد لديك عقدة الحاجبين أسفل الجبين ، بين حضورك وغيابك مازلت موجوداً في ذاكرتي، تراني وجدت فيك شيئاً من عطف أبي ؟
تجدد لقاؤنا مرة أخرى حين فاجأتني بوجودك صباحا برفقة رضوان في المرآب وهدير محرك الشاحنة القديمة يملأ المكان ، ركضت نحو الباب لم أصدق عيناي ،من بعد غياب تعود فجأة بمفاجأة أكبر ... وجودك وتشغيل الشاحنة .
بادرتَ بالكلام وأنت تمسح يديك بقطعة قماش وكأنك أنهيت ما جئت لأجله :آسف لتدخلي في أمر الشاحنة ، اعتبريها هدية شكر منّي ، ورد لمعروفك معي حين أنقذتني .
خيّم صمت في المكان ، الكلمات جاءت مسمومة ولم أستسغ طعمها ، سألتك: هل أنت مضطر للمغادرة ؟
أجبتني بصوتك الحنون : تعرفين ظرفي جيداً ،ولا أريد توريط أحد معي.
اختصرت الكلام قائلة: نعم ، فهمت .
هتف رضوان من خلفي: يمكنك البقاء هنا وتناول الغداء معنا. دعوة رضوان غريبة فهو يكره الغرباء ، ربما شعر بأنك مختلف ورآك بعيناي.
كان ردك الموافقة ، ودخلت بيتنا لأول مرة ،إلى أي حد قد يشغل الحب عقل إنسان عن روتين اعتاد عليه على مرّ السنين؟ لقاء واحد ، جرف مشاعري نحو شخص واحد ، التفكير بك ، لم يعد يشغل بالي سوى رؤيتك ولو نظرة صغيرة من بعيد ، وجودك أحيا بي الأمل وأشعل شمعة ظننت أنها انطفأت منذ مدة .
جلست إلى المائدة وأنت تتأمل الطعام في الأطباق ورفعت نظرك إلينا قائلاً : يا لها من مائدة ، اشتقت للجلسات العائلية.
لم تستطع الخالة مريم أن تخفي نظرتها الحانية ، اقتربت منك وسكبت لك بعض الطعام :لا تخجل يا بنيّ، تناول طعامك.
تناولنا الطعام معاً ، بالنسبة لي كنت أحتسي حواراتكم ، وضحكاتكم و ارتشف دفء الحب الذي كان يحيط بنا ، استيقظت من صمتي على سؤالك : هل يمكنني التعرف إلى والدك ؟
عدوى الصمت انتقلت للبقية محفوفة بالذهول ،أجبتك بسؤال مغلف بالدهشة : أبي؟!!
_آسف إذا كان الأمر يزعجك.
_على العكس ، سيسر والدي لرؤيتك ؛ فهو لم يقابل أحد منذ سنوات .
أيدتني الخالة مريم ورضوان وبدت من نظراتهما الرضا ، ما هو سر هذا التغيير؟ ظل هذا السؤال يجول في خاطري حتى صعدنا لغرفة والدي ، دخلت ووقفت أمام سريره وأظنه لاحظ إشراقة وجهي وما لبث حتى عرف السبب حين رآك تدخل باب الغرفة ، رأيت بريقاً في عينيه ، بريق سعادة انتظرها كل يوم وهو راقد في هذا الفراش ، الآن فهمت سر اهتمام الخالة مريم ورضوان واتضح لي سر اهتمامهما بك.... تبادر لذهني سؤال جديد هل وجودك معنا اليوم لأجلي؟
الأوقات السعيدة تمضي بسرعة ،ها قد شارفت الشمس على المغيب ذهبت مع رضوان للمشي في الكرمة ، أما أنا مازلت أحاول تصديق وجودك معنا وقفت أراقب من النافذة إلا أني سمعت صوت خطوات خلفي ، إذ بها الخالة مريم ،ربتت على كتفي قائلة :إنه رجل طيب ،صفاء ...
كانت الخالة مريم تخبرني مزيداً من خبرتها وتجاربها :الفتاة بلا حب كالزهر بلا ماء ، الحياة تتغير من جيل إلى جيل وما كان مرفوضاً بالأمس يجب علينا تقبله اليوم ،في الماضي لم تكن الفتاة لتحصل على ثقة أهلها أبداً وذلك لأنها فتاة ، أهل هذه القرية أمرهم أشبه بمن عاش سنوات في الظلام وتوسع بؤبؤ عينيه ليرى بوضوح وحين لمح الضوء آلمه ذلك وأغمض عينيه للأبد ...
جدَف بي خيالي لعالم آخر تملأه التساؤلات ، يا ترى ماذا يخسر الأب إن اهتم بابنته ؟ وماذا يخسر الأخ لو استمع لشقيقته ونصحها بدلاً من زجرها وحبسها ؟ ماذا تخسر الأم لو أحبت ابنتها؟ ماذا يخسرون لو توقفوا عن تحميل الفتاة إثم كونها أنثى؟ انتهى وأد البنت حديثة الولادة ولكن مازالت توأد الفتاة بأكثر من طريقة والأكثر شيوعاً تزويجها ... أيقظتني الكلمة الأخيرة ولكن بصوت الخالة مريم وتابعت حديثها :الزواج سنة الحياة يا ابنتي ولا بد أن تتزوجي يوماً ما ، لتعيشي أفراحك في ظل زوج يحبك ويحنو عليك ، ستحتاجين من يربت على كتفك ويمسح على رأسك ويقف إلى جانبك في مختلف الأحوال ...نظراتك توحي لنا بأهمية وجوده.
كلماتها غذاء لروحي ألتقطها بتأني لتسقط في أذني وأترجمها في عقلي خيال وردي جميل ، نسجت حينها مشهداً احتوانا معاً وأنا بين يديك ، ترفرف حولنا الطيور المزقزقة ، وحده حضورك يبعث الفرح في سمائي .
انتشلني صوت رضوان حين قال : أمين يريد المغادرة . نهضت عن مقعدي وسرت باتجاه الباب حيث تقف أنت، تأملتك قليلاً وأظنك فعلت الشيء نفسه ،التقت روحينا في حين بقيت الأجساد بعيدة ، رأيت في عينيك الرغبة بالبقاء بالرغم مما نطقه لسانك مودعاً ،بقيت في مكاني أنظر إليك حتى تواريت في الظلام ولا أعرف وجهتك.

المصدر : المنتدى التعاضدي بالمغرب - من قسم : قصص و روايات



جديد قسم : قصص و روايات

Up

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML